ما بين النفس والروح كما بين الأرض والسماء..
العقل وذاكرة الجوارح
العقل هو الجهة الوحيدة المنوط بها إدارة جميع مصادر الإدراك الحسي عبر الحواس؛ من لمسٍ وبصرٍ وسمعٍ وتذوق، فضلاً عن أعمال التدبر والتأمل التي تُكمل وظائفه وتُعينه على أدائها.
من هنا، تتجلى أهمية تطهير هذه الحواس باستمرار عبر الوضوء، والصلاة، وتلاوة القرآن، والتفكر في خلق الله؛ حتى تؤدي رسالتها الإيجابية التي خُلقت لأجلها.
"إن إهمال هذا التطهير يورث أثرًا عكسيًا، ذلك لأن للحواس ذاكرةً حيّة تحتفظ بكل سلوك وحركة إنسانية، بل إن تسجيلها للأعمال أكثر ثباتًا وأنفذ أثرًا من ذاكرة العقل المجردة، ونتائجها ممدودة بما يُسطّر عليها من أفعال."
«يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»
(سورة النور: 24)القلب.. مستقر الروح ونبض الإدراك
أما القلب، فهو المَوطن الفذ للإدراك الروحي؛ ينبض بالإيحاء، والتخاطر، وجلّ العواطف من حب وبغض، وانشراح وانقباض، وخشوع وقنوط، بل والحدس الذي يستبق وقوع الأحداث لما أُودِع في الروح الساكنة فيه من إشراق وإلهام.
تحمل هذه المشاعر في طياتها ذاكرةً دقيقة تتجاوز في رقتها ذاكرة "النانو"، حيث تُسجل كل لحظة شعورية وفق الحالة التي يمر بها الإنسان؛ فإن كانت خيرًا فخير، وإن كانت شرًا فشر. وحين يمتلئ القلب بذكر الله، ينعكس ذلك على خلاياه سكينةً وطمأنينة:
«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»
(سورة الرعد: 28)«ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ»
(سورة الحج: 32)القلب هو أول الأعضاء تخليقًا في جسد الإنسان، وهو آخرها رحيلاً عن الحياة؛ فهو الأطول عمرًا لأنه مسكن الروح. ولأنه كذلك، فإن بصلاحه يصلح حال الجسد كله.
شهادة الروح ورحلة الخلود
لما كانت الروح من أمر ربي، فقد جعل الله القلب آخر الأعضاء مغادرة للحياة؛ فإذا توقف نبضه، انتهت مهمة الروح في الجسد لتصعد إلى بارئها محفوفة بآخر الأعمال والأقوال.
«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ»
(سورة ق: 16)وهنا يُؤكد الحق سبحانه أنه أقرب إلى الإنسان من أفكاره وتدابير عقله، تلك الأفكار التي لا تكتمل إلا بموافقة الروح الساكنة في القلب، والتي تُعد الشاهد الأخير على الأعمال. فمن كان آخر كلامه وإقراره في الدنيا شهادة التوحيد، فقد فاز وكتبت له النجاة.
تتفاوت الأرواح بعد المفارقة؛ فمنها من ينتظر يوم الحساب في البرزخ، ومنها أرواحٌ بلغت أعلى درجات اليقين كـ الشهداء، فهؤلاء في جوار ربهم يُرزقون، أحياءٌ بنعيم الفضل والتكريم:
«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»
(سورة آل عمران: 169)فأصلحوا القلوب فإن الأرواح تسكنها، والأرواح من أمر الله وهي عليكم شهود.. وطيبوا مساكنها بدوام الذكر، وحسن النوايا، وحسن الظن بالله.