في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتزايد فيه المسؤوليات والضغوط، تبقى القيم الإنسانية قادرة على منح المجتمعات قدرًا من التماسك والرحمة. وقد يكون فعل الخير بسيطًا في صورته، لكنه عظيم في أثره؛ فكلمة طيبة، أو مساعدة محتاج، أو الوقوف بجوار إنسان في وقت الشدة، كلها صور من صور جبر الخواطر التي تترك أثرًا لا يُنسى.
وكان الكرم والعطاء من الصفات التي عُرفت بها نماذج كثيرة من السلف، ومن ذلك ما روي عن عبدالله بن جعفر من شدة جوده، حتى كان لا يرى في ماله حائلًا بينه وبين حاجة الناس، فإذا سأله أحد أعطاه، وإذا طلب منه معروفًا بادر إليه. وتكشف هذه المواقف أن قيمة العطاء لا ترتبط بكثرة المال وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بنظرة الإنسان إلى ما يملك، ومدى شعوره بمسؤوليته تجاه من حوله.
حوائج الناس قد تكون نعمة
من أجمل المعاني التي وردت في هذا الباب ما نُقل عن الفضيل بن عياض رحمه الله، حين قال له أحدهم عن رجل أكثر من سؤاله: لا تؤذ الشيخ. فقال الفضيل: «اسكت يا فيض، أما علمت أن حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم، فاحذروا أن تملوا النعم فتتحول».
وهذا المعنى يلفت النظر إلى جانب مهم من الحياة؛ فالإنسان قد ينظر إلى طلب الآخرين للمساعدة باعتباره عبئًا، بينما يمكن أن ينظر إليه باعتباره فرصة لفعل الخير وإدخال السرور على قلب إنسان آخر. فالقدرة على مساعدة المحتاج نعمة، والقدرة على تفريج كربة إنسان فضل، ومن المهم ألا يتحول العطاء إلى مجرد عادة بلا إحساس، بل يبقى مرتبطًا بالرحمة وحسن المعاملة وصيانة كرامة المحتاج.
الكرم لا يعني امتلاك الكثير
ومن المواقف اللافتة ما روي عن الحسن البصري رحمه الله، عندما جاءت إليه امرأة تشكو حاجتها، فسألها عن قرب منزلها منه، ثم بحث عما لديه، فوجد بعض الدراهم فأعطاها إياها، وقال: «كدنا نهلك». وفي هذا الموقف رسالة واضحة: الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى امتلاك ثروة حتى يساعد غيره، فقد يكون ما يملكه قليلًا في نظره، لكنه كبير في أثره عند شخص يمر بضيق.
المال بين الحلال والحرام
وفي المقابل، فإن السعي وراء المال لا ينبغي أن يجعل الإنسان يتجاوز الحدود التي وضعها الشرع، أو يستهين بمصدر ما يحصل عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام». رواه البخاري.
جبر الخواطر يبدأ من الأسرة
لا يقتصر جبر الخواطر على تقديم المال للمحتاجين، بل له صور واسعة تبدأ من أقرب الناس إلينا. ومن أعظم هذه الصور صلة الرحم، التي دعا إليها الإسلام وحذر من قطيعتها. قال تعالى: «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ». وتشمل صلة الرحم الوالدين والأبناء والإخوة والأخوات، وتظهر في السؤال والزيارة والمساندة والتواصل.
الإحسان إلى الجار من مكارم الأخلاق
ومن صور جبر الخواطر أيضًا حسن التعامل مع الجيران، فالجار له مكانة عظيمة في الإسلام. قال تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ». كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
في النهاية: يبقى الخير وجبر الخواطر والعطاء من القيم التي تحتاجها المجتمعات في كل زمان، لأن الإنسان لا يعيش بالمال وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى الرحمة والتكافل والشعور بأن من حوله يهتمون به.