السينما التونسية تفتح آفاقاً جديدة في البندقية.. من الخيال العلمي إلى قضايا الذاكرة والهوية

كتب: ابراهيم محمد
تلفت السينما التونسية الأنظار خلال فعاليات الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي، ليس من خلال عمل واحد فقط، وإنما عبر مجموعة من التجارب التي تعكس اتساع مساحة الإبداع لدى جيل جديد من المخرجين.
وتتنوع المشاركات بين الخيال العلمي والتشويق السياسي والسينما الوثائقية والأعمال التي تستعيد قضايا الذاكرة والهوية، في مشهد يعكس رغبة واضحة لدى صناع الأفلام التونسيين في تجاوز القوالب التقليدية والاقتراب من أسئلة الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا.
«الرجل الأجوف».. خيال علمي عن الذاكرة والمشاعر
من أبرز المشاركات التونسية فيلم «الرجل الأجوف» للمخرج كامل العريدي، وهو تجربته الروائية الطويلة الأولى، ويشارك ضمن برنامج أسبوع النقاد الدولي.
يأخذ الفيلم المشاهد إلى تونس في عام 2059، حيث تصبح التكنولوجيا قادرة على التأثير في ذاكرة الإنسان ومشاعره من خلال شريحة بيولوجية متقدمة.
وتدور الحكاية حول «طه»، الذي يعمل في مهنة غير مألوفة تتمثل في إعادة بناء المشاعر التي فقدها أصحابها، مستعيناً بالشعر. غير أن تجربة سرية تقوده إلى مواجهة ذكريات مؤلمة كانت مدفونة في داخله.
ولا يكتفي العمل بتقديم مستقبل متخيل، وإنما يطرح مجموعة من الأسئلة حول معنى الإنسان عندما تصبح الذاكرة قابلة للتعديل، والمشاعر قابلة لإعادة البرمجة، والعلاقات الإنسانية خاضعة لتدخل التكنولوجيا.
ومع اختياره ضمن أفلام أسبوع النقاد الدولي، يدخل «الرجل الأجوف» أيضاً دائرة المنافسة على جائزة لويجي دي لورينتيس المخصصة للعمل الروائي الأول.
«الطاعون».. تشويق سياسي من واحات توزر
وفي برنامج Final Cut in Venice، المخصص لدعم الأفلام القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط خلال مراحل ما بعد الإنتاج، يحضر المخرج يوسف شبي من خلال مشروع فيلمه «الطاعون».
ويستخدم الفيلم أجواء واحات توزر التونسية خلفية لقصة تجمع بين التشويق والسياسة، حيث يجد توأمان نفسيهما في مواجهة أزمة مرتبطة بانتشار سوسة النخيل الحمراء.
ويعكس المشروع كذلك اتساع التعاون الدولي في إنتاج الأفلام التونسية، إذ تشارك في إنتاجه جهات من تونس وفرنسا وقطر والسعودية وسلوفينيا.
ولا تأتي هذه التجربة منفصلة عن المسار السينمائي ليوسف شبي؛ فقد سبق له أن قدم فيلم «أشكال»، الذي شارك في أسبوع المخرجين بمهرجان كان السينمائي عام 2022.
ويبدو أن شبي يعتمد على النوع السينمائي بوصفه وسيلة لطرح قضايا اجتماعية وسياسية أوسع، بدلاً من التعامل معه باعتباره مجرد وسيلة للترفيه.
كوثر بن هنية.. حضور تونسي في لجنة التحكيم
ويحظى الحضور التونسي في المهرجان بوجه آخر من خلال المخرجة كوثر بن هنية، التي تشارك هذا العام عضواً في لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية برئاسة الممثلة والمخرجة ماغي جيلينهال.
ويأتي هذا الحضور بعد المسار الدولي اللافت الذي حققته بن هنية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع فيلم «صوت هند رجب»، الذي حصل في دورة سابقة من مهرجان البندقية على جائزة لجنة التحكيم الكبرى.
كما ارتبط اسمها بأعمال وصلت إلى دائرة الجوائز العالمية، من بينها «الرجل الذي باع جلده» و**«أربع بنات»**، ما جعل تجربتها واحدة من التجارب التونسية الأكثر حضوراً على الساحة السينمائية الدولية.
وتقوم تجربتها على مساحة متداخلة بين الوثائقي والدراما، مع اهتمام واضح بالشهادة الإنسانية والقصص التي يصعب فصلها عن الواقع السياسي والاجتماعي المحيط بها.
جيل جديد يبحث عن لغة سينمائية مختلفة
تكشف المشاركات التونسية في البندقية عن تحول مهم في طريقة تقديم السينما التونسية لنفسها عالمياً.
فبدلاً من الاعتماد على موضوع واحد أو اتجاه فني محدد، تظهر تجارب تتعامل مع الخيال العلمي، والتشويق، والدراما، والوثائقي، بينما تظل قضايا مثل الذاكرة والعنف والسلطة والهوية حاضرة بصورة أو بأخرى.
وهذا التنوع يمنح المخرجين مساحة أكبر للتعبير عن أفكارهم، كما يفتح أمام الإنتاج التونسي فرصاً جديدة للتعاون مع شركات ومؤسسات سينمائية من دول مختلفة.
وفي النهاية، يبدو أن أهمية الحضور التونسي في البندقية لا ترتبط بعدد المشاركات فقط، وإنما بما تكشفه هذه الأعمال من قدرة جيل جديد على استخدام السينما لطرح أسئلة تتجاوز الحدود الجغرافية.
فالسينما التونسية لا تكتفي بتقديم صورة عن تونس، وإنما توظف التجربة المحلية للحديث عن قضايا إنسانية أوسع، تمتد من مستقبل التكنولوجيا إلى هشاشة الذاكرة، ومن الأزمات السياسية إلى البحث عن الهوية.